السيد محمد تقي المدرسي

46

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة)

يؤمن بها ؛ فلو كان - وعلى سبيل المثال - يؤمن بالفلسفة المادية ، فان هذه الفلسفة سوف تكتنف كل جوانب تفكيره وستؤطر أفكاره وتحدد ثقافته وسائر معلوماته ومعارفه ضمن تلك الحدود المادية ، ولو كان يؤمن بالحكمة الإلهية ، فان هذه الحكمة سوف تؤطر أفكاره أيضاً . وإذا كانت هذه الحقيقة معروفة واضحة فلا بد ان نبني عليها حقيقة أخرى ، وهي ان ثقافة البشرية جمعاء تعود بالتالي إلى خطين أساسيين : خط الفلسفة الالحادية الشركية ، وخط الفلسفة الايمانية التوحيدية . وبالتالي فان كل ما عند البشر من الثقافات يعود إلى أحد هذين الجذرين الرئيسين ؛ جذر الشرك أو جذر التوحيد . إمتدادات الحضارة الهيلينية : والجذر الأول ، وهوجذر الشرك في عالمنا اليوم يرجع إلى لون واحد من الثقافات . وقد توصل المؤرخ المعروف " آرنولد توينبي " ( 1889 - 1975 ) الذي درس الحضارات البشرية والثقافات التي نبتت من أرضيتها تلك الحضارات ، إلى نتيجة واحدة ، وهي انه كانت هناك حضارات عديدة في العالم ، وربما كانت تزيد على عشرين حضارة لكنها بادت وانتهت ، وان الحضارة القائمة اليوم انما هي واحدة من تلك الحضارات وهي المسماة بالحضارة الهيلينية . والحضارة الأوربية الحديثة - إن استطعنا ان نطلق عليها اسم حضارة - ليست إلا امتداداً للحضارة الهيلينية القديمة ( « 1 » ) ، بل لوتصورنا ان الحضارة الهيلينية كتابا فما تسمى اليوم بالحضارة الأوربية ليست إلا نسخة عن ذلك الكتاب .

--> ( 1 ) الحضارة الهلّينية ( Hellenism ) هي حضارة اليونان القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد .